ابراهيم بن عمر البقاعي
124
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بَعْدُ أي من بعد من معك من هؤلاء التسع - كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في رواية عنه ، شكرا من اللّه لهن لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن اللّه ورسوله ، فتكون الآية منسوخة بما تقدم عليها في النظم وتأخر عنها في الإنزال من آية إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ وفي رواية أخرى عنه من بعد اللاتي أَحْلَلْنا لَكَ بالصفة المتقدمة من بنات العم وما معهن ، ويؤيدها ما تقدمت روايته عن أم هانىء رضي اللّه عنها . ولما كان ربما فهم أن المراد الحصر في عدد التسع ، لا بقيد المعينات ، قال : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أي هؤلاء التسع ، وأعرق في النفي بقوله : مِنْ أي شيئا من أَزْواجٍ أي بأن تطلق بعض هؤلاء المعينات وتأخذ بدلها من غيرهن بعقد النكاح بحيث لا يزيد العدد على تسع ، فعلم بهذا أن الممنوع منه نكاح غيرهن مع طلاق واحدة منهن أولا ، وهو يؤيد الرواية الأولى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما لأن المتبدل بها لا تكون إلا معلومة العين ، والجواب عن قول أم هانىء رضي اللّه عنها أنه فهم منها ، لا رواية عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأما عند موت واحدة منهن فلا حرج في نكاح واحدة بدلها . ولما علم من هذا المنع من كل زوجة بأيّ صفة كانت ، أكد المعنى وحققه ، وصرح به في قوله حالا من فاعل « تبدل » : وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ أي النساء المغايرات لمن معك ، وفي هذا إباحة النظر إلى من يراد نكاحها لأن النظرة الأولى لا تكاد تثبت ما عليه المرئي من حاق الوصف ؛ ولما كان لفظ النساء شاملا للأزواج والإماء ، بين أن المراد الأزواج فقط بقوله : إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ أي فيحل لك منهن ما شئت ، وقد ملك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ريحانة رضي اللّه عنها من سبي بني قريظة ، واستمرت في ملكه مدة لا يقربها حتى أسلمت ، ثم ملك بعد عام الحديبية مارية رضي اللّه عنها أم ولده إبراهيم عليه السّلام . ولما تقدم سبحانه في هذه الآيات فأمر ونهى وحد حدودا ، حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل فقال : وَكانَ اللَّهُ أي الذي لا شيء أعظم منه ، وهو المحيط بجميع صفات الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً أي يفعل فعل المراعي لما يتوقع منه من خلل على أقرب قرب منه بحيث لا يفوت مع رعايته فائت من أمر المرعى ، ولا يكون الرقيب إلا قريبا ، ولا أقرب من قرب الحق سبحانه ، فلا أرعى من رقبته ، وهو من أشد الأسماء وعيدا . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 53 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً ( 53 )